الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عن الألف في ( مهما ) ، فإن أصلها : ( ما ما ) مركبة من ( ما ) الظرفية و ( ما ) الزائدة لإفادة الشرط مثل ( أينما ) . قال في « الكشاف » : ولقد أغثّ أبو الطيب في قوله : لعمرك ما ما بان منك لضارب « 1 » وأقول ولم يتعقب ابن جنّي ولا غيره ممّن شرح الديوان من قبل على المتنبي وقد وقع مثله في ضرورات شعر المتقدمين كقول خطام المجاشعي : وصاليات ككما يؤثفين ولا يغتفر مثله للمولدين . فأما إذا كانت ( ما ) نافية وأراد المتكلم تأكيدها تأكيدا لفظيا ، فالإتيان بحرف ( إن ) بعد ( ما ) أحرى كما في قول النابغة : رماد ككحل العين ما إن أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع وفائدة قوله : وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً أنهم لم ينقصهم شيء من شأنه أي يخلّ بإدراكهم الحق لولا العناد ، وهذا تعريض بمشركي قريش ، أي أنكم حرمتم أنفسكم الانتفاع بسمعكم وأبصاركم وعقولكم كما حرموه ، والحالة متحدة والسبب متّحد فيوشك أن يكون الجزاء كذلك . وإفراد السمع دون الأبصار والأفئدة للوجه الذي تقدم في قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ في سورة الأنعام [ 46 ] وقوله : أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ في سورة يونس [ 31 ] . و مِنْ في قوله : مِنْ شَيْءٍ زائدة للتنصيص على انتفاء الجنس فلذلك يكون شَيْءٍ المجرور ب مِنْ الزائدة نائبا عن المفعول المطلق لأن المراد بشيء من الإغناء ، وحق شَيْءٍ النصب وإنما جرّ بدخول حرف الجر الزائد . و إِذْ ظرف ، أي مدة جحودهم وهو مستعمل في التعليل لاستواء مؤدى الظرف

--> ( 1 ) تمامه : باقتل مما بان منك لعائب . ووقع المصراع الأول في « الكشاف » لعمرك ، وراوية الديوان يرى : أن ما وجعل ابن جنّي والمعري في شرحيهما على الديون اسم أنّ ضمير شأن محذوفا ليستقيم اقتران الباء بقوله باقتل الذي هو بحسب الظاهر خبر عن ( أنّ ) ولعل التفادي من تكلف جعل اسم ( أن ) ضمير شأن هو الذي دعا الزمخشري لتغيير الكلمة الأولى من المصراع الأول .